الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

221

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وإذا قيل إن أهل الجنان ينظرون إلى غير الله تعالى أيضا ، فإننا نقول : إذا نظروا إلى غيره فإنهم سوف يرون آثار الله فيها ، والنظر إلى الأثر هو نظر إلى المؤثر ، وبعبارة أخرى أنهم يرونه في كل مكان . ويرون تجلي قدرته وجلاله وجماله في كل شئ ، ولذا فإن نظرهم إلى نعم الجنان لا يجرهم إلى الغفلة عن النظر إلى ذات الله . ولهذا السبب ورد في بعض الروايات في تفسير هذه الآية : ( إنهم ينظرون إلى رحمة الله ونعمته وثوابه ) ( 1 ) لأن النظر إلى ذلك هو بمثابة النظر إلى ذاته المقدسة . قال بعض الغافلين : إن هذه الآية تشير إلى شأنه في يوم القيامة ، ويقولون : إن الله سوف يرى بالعين الظاهرة في يوم القيامة . والحال إن مشاهدته بالعين الظاهرة تستلزم جسمانيته . والوجود في المكان ، والكيفية والحالة الخاصة وجود جسماني ، ونعلم أن ذاته المقدسة منزهة عن مثل هذا الاعتقاد الملوث ، كما اعتمد القرآن هذا المعنى في آياته مرات عديدة ، منها ما في الآية ( 103 ) من سورة الأنعام : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهذه الآية مطلقة لا تختص في الدنيا . على كل حال فإن عدم النظر الحسي إلى الله تعالى أمر واضح لا يحتاج البحث فيه أكثر من هذا ، ويقر بذلك من له أدنى اطلاع على القرآن والمفاهيم الإسلامية . وقال البعض في معنى الناظرة أقوالا أخرى مثلا : ناظرة من مادة الانتظار ، أي أن المؤمنين لا ينتظرون شيئا إلا من الله تعالى ، وحتى أنهم لا يعتمدون على أعمالهم الصالحة وأنهم ينتظرون رحمة الله ونعمته بشكل دائم . وإذا قيل إن هذا الانتظار سيكون مصحوبا مع نوع من الانزعاج ، والحال

--> 1 - تفسير روح الثقلين ، ج 5 ، ص 464 و 465 .